صادق عبد الرضا علي
36
نهج البلاغة والطب الحديث
وإلى الآن لم يستطع العلماء معرفة أشياء كثيرة عن حقيقة الإنسان وعمل أعضائه ، كالمخ على سبيل المثال ، وكيف يستطيعون معرفة من خلقه اللّه في أحسن تقويم ، إذ لا يزال العلماء يكتشفون كل يوم حقائق جديدة وفعاليات فريدة تجعلهم يقفون بإجلال وخشوع للخالق العظيم الذي أتقن صنع كل شيء بما فيه الإنسان ، فيزدادون إيمانا وتسليما إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 1 » وقد خاطب الإمام هذا الإنسان الذي لا يدرك عظمته وحقيقته في مواقع عديدة : « من عرف نفسه عرف ربه » وتحسب انّك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر لتلك الأسباب الاجتماعية السائدة التي مرّ ذكرها كان الإمام يطرح بعض علومه الطبيعة بأسلوب رائع مبسط يتقبله الجميع ويفهمه أغلب الناس ، وقد صب جلّ اهتمامه على الجانب الإرشادي والوقائي ، لكونه الحجر الأساس الذي من خلاله نتوقى من أغلب الأمراض خصوصا المعدية منها ، وبذلك نتخلص من الركض وراء العلاج وتكاليفه المالية والجسدية . إنّ أقوال الإمام كانت تخاطب الروح والعقل ، وتنقل الإنسان من وحل العالم المادي ومنزلقاته إلى عالم تسمو فيه الروح ويتحكم فيه العقل ليعيش الإنسان حلاوة التقوى والإيمان ، ولعل إرشاداته وأقواله الروحية البليغة التي زخر بها نهج البلاغة هي بلسم شاف لكثير من أمراضنا الروحية والنفسية التي تنخر في المجتمع الإسلامي منذ ذلك الزمان وحتى وقتنا الحاضر ، حيث نرى ملايين الناس الذين يعانون ويكابدون بألم أمراضهم الروحية والنفسية التي يصعب علاجها والخلاص منها وما ذلك إلّا نتيجة الحياة المعقدة التي أوجدوها بأنفسهم والتي أوقعتهم في أحضان الدنيا ومغرياتها المادية فأدت في نهاية المطاف إلى إنسلاخهم عن عوائلهم ومجتمعهم .
--> ( 1 ) سورة فاطر الآية 28 .